محمد بن وليد الطرطوشي
463
سراج الملوك
خبرا ، فيئس منه وسار إلى الموصل ، مسلوب المال ، فوافاها نهارا جائعا ، عريانا فقيرا ، مجهودا ، فاستحيا أن يدخل نهارا فيشمت العدو ويحزن الصديق ، فبقى حتى أمسى ، ثم دخل فدقّ باب الدار ، فقيل : من هذا ؟ فقال فلان - يعنى نفسه - فأظهروا سرورا عظيما وحاجة إليه ، وقالوا : الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت ، على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة والفاقة ، حملت جميع مالك وطال سفرك ، واحتاج أهلك ، وقد ولدت اليوم ولدا ، وو الله ما وجدنا ما نشترى به شيئا للنّفساء ، ولقد كانت هذه الليلة طاوية على حالها ، فتحيّل لنا في دقيق ، ودهن نسرج به ، فلا سراج عندنا . فزاده ذلك غمّا ، وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم ، وأخذ وعاء للزيت وجرابا للدقيق ، وخرج إلى هذا الحانوت ، وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحوه ، وقد أغلق دكّانه وأطفأ مصباحه ونام . فناداه فأجابه وعرفه ، وشكر الله على سلامته ، فقال التاجر لصاحب الحانوت : أقدح زنادا « 1 » أزن لك الدراهم في دقيق وزيت وعسل احتجت إليه الساعة ، وكره أن يخبره بتأخير الثمن فيمتنع منه ، فقدح البياع الزناد واستصبح ، فقال له لتاجر : زن لي من الدقيق كذا ، ومن الزيت كذا ، ومن العسل كذا ، ومن السمن كذا ، ومن الملح كذا ، وبينما هو كذلك إذ حانت منه التفاته إلى قعر الحانوت ، فرأى فيه خرجه الذي هرب به صاحبه ، فلم يملك أن وثب عليه والتزمه ، وألقى يده في أطواق صاحب الحانوت وجذبه إلى نفسه ، وقال : يا عدوّ الله : أين مالي ؟ فقال له صاحب الحانوت : مالك يا فلان ؟ فوالله ما علمتك متعدّيا ، وما علمتني جنيت عليك ولا عليّ سواك ، فما هذا ؟ قال : [ خرجى فرّ به خادم لي خدمنى بجميع مالي وبحماري ] « 2 » ، قال : ما لي علم ، غير أن رجلا ورد عليّ بعد العشاء ، واشترى منّي عشاء ، واستضافنى فأضفته ، وجعلت هذا الخرج في حانوتى ، وهذا الحمار في دار جارنا ، والرجل في المسجد بائت ، فقال له : احمل معي الخرج ، وانهض إلى الرجل ، فرفع الخرج معه وألقاه على عاتقه ، ومشى معه إلى المسجد ، فإذا الرجل نائم في المسجد ، فركضه برجله ، فقام الرجل مذعورا ، فقال له : مالك ؟ فقال له : أين مالي يا خائن ؟ قال : هو ذا على عنقك ، والله ما
--> ( 1 ) أقدح الزناد : أي اشعل النار أو المصباح . ( 2 ) في ( خ ) قال : [ هذا خرجي فرّ لي به خادم لي خدمني ، فيه جميع مالي ] .